ابن عربي
5
تفسير ابن عربي
الجزء الثاني سورة مريم [ 1 - 11 ] [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 1 إلى 11 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ( 2 ) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ( 3 ) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ( 4 ) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ( 6 ) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) كهيعص قد تقدم فيما سلف أن كل طالب ينادي ربّه ويدعوه إنما يستحق الإجابة إذا دعاه بلسان الحال وناداه باسمه الذي هو مصدر مطلوبه بحسب اقتضاء استعداده في ذلك الحال ، علم أو لم يعلم ، إذ العطاء والفيض لا يكون إلا بحسب الاستعداد ، والاستعداد لا يطلب إلا مقتضى ذلك الاسم فيجيبه بتجلي ذلك الاسم الذي يجبر نقصه ويقضي حاجته بإفادة مطلوبه كما أن المريض إذا قال : يا ربّ ، فمراده : يا شافي ، إذ الحق يبريه بذلك الاسم عند إجابته . وكذا الفقير إذا ناداه أجابه باسمه المغني إذ هو ربّه . فنادى زكريا عليه السلام ربّه ليهب له وليّا يقوم مقامه في أمر الدين ، وتوسل إليه بأمرين ، واعتذر إليه معتلا بأمرين ، توسل بالضعف والشيخوخة والوهن والعجز عن القيام بأمر الدين في قوله : وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فأجابه باسمه الكافي فكفاه ضعفه وأعطاه القوّة وأيّده بالولد ثم بعنايته به قديما بقوله : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا فأجابه باسمه الهادي وهداه إلى مطلوبه بالبشارة والوعد ، لأن العناية « 1 » المقتضية للسعادة المستلزمة لسلب الشقاوة ، كما أشار إليها ، يلازمها عبارة عن علمه تعالى في الأزل بعين في العدم وتقتضي باستعدادها سعادة تناسبها وهو عين إرادته تعالى ذلك الكمال لها عند وجودها فلا بد من هداية لها إليه ، والهداية إنما تتم بالتوفيق ، وهو ترتيب الأسباب الموافقة لذلك المطلوب المؤدّية إليه ، ولم يجدها موافقة ووجد
--> ( 1 ) قوله : لأن العناية إلخ . . كذا في الأصل ، ولعل الناقل أحله ، وليحرر . اه .